• أخبار
  • وطنية
  • 2017/10/27 16:34

في دوّامة اللجوء.. يباعون عبيدا ويغتصبون حتى الموت

في دوّامة اللجوء.. يباعون عبيدا ويغتصبون حتى الموت
عندما تراها لأول مرة تظن وأنها في الأربعين من عمرها، لكن "لينا" لم تبلغ الثلاثين بعد، فما تعرضت له هذه اللاجئة السورية التي قدمت من مدينة الرقة يشيب له الولدان.
فلينا شابة سورية في الرابعة والعشرين من العمر، ظنت أنها فرت من جحيم الحرب في بلادها لتجد نفسها فريسة هشة للذئاب الآدمية.
لم تستطع لينا أن تمسك دموعها وهي تروي لنا قصة وصولها إلى تونس بعد ما فقدت أفراد عائلتها ممن كانوا معها في الرحلة نحو الأراضي الليبية آملين في الإبحار نحو السواحل الإيطالية من هناك.
"وصلت ليبيا وكان معي شقيقي وأختي هند وكان معنا حوالي 7 آلاف دولار كنا نخفيها داخل ملابسنا، فهذا المبلغ كان أملنا في الإبحار نحو السواحل الإيطالية"، هكذا تقول لينا.

في البحر
وتضيف وقد امتلأت بالدمع مقلتاها: "في ليبيا وبالتحديد في مدينة صبراتة، هناك تعرفنا على إسماعيل... وكان يقود ميليشيا مسلحة، طمأننا بتسهيل عملية الإبحار في اتجاه إيطاليا... 
وفعلا كان ذلك بعد حوالي خمسة ليالي قضيناها في أحد المنازل على الشريط الساحلي للمدينة، كنا قد تكدسنا في ذلك المنزل أكثر من 20 شخصا، بعد أن سلمنا المبلغ المالي لإسماعيل، وكان من بيننا عائلات سورية تتكون من خمسة أفراد الأب والأم وثلاثة أطفال، أصغر لاجئ كان معنا في ذلك المنزل لم يتجاوز الشهرين...".
هنا تتوقف لينا عن الكلام لتمسح دموعها وتسترجع أنفاسها، "صورته لا تزال أمام عيني، لم يفارقني صوت بكائه لمّا سقط في البحر... لتقفز أمه وراءه ولكن هيهات، فالموج كان في انتظارهما..." تقول لينا، مستدركة: "في اليوم الخامس وحوالي الساعة الثالثة فجرا، استيقظنا على أصوات ثلاثة ليبيين يصرخون لإيقاظنا والتوجه نحو البحر لركوب المركب الذي سيوصلنا إلى السفينة (كان اسماعيل قد أكد لنا أنها ستكون كبيرة وتتسع لنا ولغيرنا ممن يريدون الإبحار في اتجاه إيطاليا)... كنا مذعورين وبسرعة كنا محشورين داخل مركب يمخر بنا عباب البحر لحوالي 15 دقيقة ثم وصلنا إلى السفينة المنتظرة، سفينة النجاة، سفينة الأمل، فرحنا كان أكبر من أن نستوعب حقيقتها أو وضعيتها ومدى اتساعها لأكثر من 300 شخص من جنسيات مختلفة".
وأفادت بأن الحقيقة التي انكشفت لها ولأختها وشقيقها أن العشرات كانوا يرتمون في البحر من أجل الظفر بمكان داخل السفينة الراسية في عرض البحر، فما كان منهم إلا أن حذوا حذو الآخرين ثم صعدوا سطح السفينة التي لم تكد تبحر حوالي ساعتين من الزمن، حتى دوى ذلك الصوت؟؟؟
وهنا، تتوقف لينا عن الكلام لتستحضر تلك اللحظات القاسية جدا، وتقول: "أفقنا على صوت خفر السواحل الليبي وهو يأمر السفينة بالتوقف... تملّكنا الفزع والخوف الشديد، أصابنا الهلع، فبعد أن كنا ننتظر أن تتلقفنا إحدى السفن الأوروبية، غير أن ذلك الصوت الذي طلب منا بلغة عربية التوقف، جعلنا نتزاحم، مرة إلى مقدمة السفينة وتارة إلى المؤخرة... وفي لحظة كان ذلك الرضيع يصيح بعد أن ارتطم جسمه الهزيل بماء البحر فلم تتمالك أمه وبوازع الأمومة ودون أن تشعر ألقت بنفسها وراءه مباشرة أملا في إنقاذه، ولكن هيهات، كان الموج أسرع وتلقفهما وسحبهما غير عابئ لا بالطفولة ولا بالأمومة"...

عودة إلى ليبيا 
"تم اقتيادنا من جديد إلى اليابسة وهناك كان العذاب في انتظارنا، زُجّ بنا داخل مركز أقرب إلى الإسطبل، غابت عنه أبسط ضروريات الحياة وتوفرت فيه كل أصناف العذاب النفسي والجسدي"، تؤكد لينا.
ولدى سؤالنا عن كيفية وصولها إلى تونس، انهارت وبكت بمرارة ثم استجمعت قواها لتقول بعد تنهيدة عميقة: "كان المقابل جسدي، نعم دفعوني لأعرض جسدي سلعة على كل من كان في ذلك "الإسطبل" حتى شقيقتي كانت هي الأخرى سلعة رخيصة يرضي بها من كانوا يعتقلوننا نزواتهم، كانوا وحوشا آدمية، كانوا شياطين في شكل بشر... لم يرحموا ضعف أختي، لم يرحموها عندما كانت مريضة... كنت أستغيثهم أن يعفوها ويغتصبونني، نعم فقد كانت المسكينة منهارة بالكامل ولم يتحمّل جسدها النحيل وقلبها الرهيف كل ذلك لتفارق الحياة وهي بين أيدى ذئاب مفترسة"...
تركتها في صمتها، تركتها "تجترّ" مرارة تلك اللحظات التي كانت كدهر مرّ عليها... تركت لينا تعتصر قلبها ألما وحسرة على أختها... أما شقيقها فلم تره منذ أن تم اقتيادهم من عرض البحر في اتجاه اليابسة... ولم تستبعد استشهاده هو الآخر...
بعد أن هدأت واسترجعت أنفاسها، عادت لينا لتواصل سرد قصتها وكيفية وصولها إلى تونس لتقول: "بعد أن توفيت أختي وبعد تلك الهيستيريا التي عشتها وبعد أن زُجّ بي في مكان منفرد داخل ذلك الإسطبل لا أعرف لكم من الوقت... زهدت في الحياة، زهدت في كل شيء، كنت أتمنى الالتحاق بأختي عسى أن يجمعنا ربي بعيدا عن العذاب الذي قاسيناه".

ملاك يطير بي إلى تونس
ثم... أعاد أحد الأشخاص ولم أره من قبل إخراجي من تلك الغرفة الموحشة... ربما علم بما حصل معي، ربما تحرك داخله نبض الإنسانية، ربما كان هو الملاك الذي أرسل إلي لينقذني من هناك... وفعلا كسبت تعاطفه بعد أن رويت له ما تعرضت إليه والمرحومة أختي... وعدني بالفرج وكان عند وعده... 
ذات يوم ولا أعرف ما هو، لأني داخل المخيم نسيت عدّ الأيام فقد تشابهت كلها كالوقت أيضا ولم أفرق بين صباح أو ليل وبين أحد أو جمعة فكلها سواسية في العذاب... ناداني ذلك الشخص ومدني بثلاثمائة دينار ليبي وطلب مني أن استقل سيارة أجرة في اتجاه مدينة الزنتان حيث كان في انتظاري هناك شخص آخر، تم التنسيق معه بعد أن مدني برقم هاتفه... ومن هناك من مدنية الزنتان تم تهريبي في إحدى السيارات رباعية الدفع عبر الحدود التونسية الليبية حتى وجدت نفسي في مدينة ذهيبة ثم أنا اليوم كما تراني في مدينة الحمامات، بين شعب أحب السوريين، أنساني للحظات ما مررت به هناك في ليبيا"...
لينا اليوم تشتغل في أحد المطاعم الفاخرة بالجهة وتتقاضى مرتبا محترما وقد تعرفت على شاب تونسي قرر الارتباط بها بعد أن علم بقصتها، كما أنها اليوم تمتعت باللجوء وهي في انتظار استكمال كل الوثائق الشخصية بعد أن كانت قد فقدتها في ليبيا.

تختلف الأسماء وتتشابه القصص
ما يتعرض له الفارون من جحيم الحروب وصلف العيش في بلدانهم أملا في الوصول إلى "النعيم الأوروبي" أو "الألدورادو" في الضفة الشمالية للمتوسط، يختلف ربما في الأسماء ولكن قصصهم تتشابك أحداثها في المعاناة وقسوة ما يمرّ به اللاجئ.
القصة هذه المرة على لسان مهمادو يايي شاب من غينيا كوناكري يعيش في أحد المخيمات في الجنوب التونسي وبالتحديد في ولاية مدنين منذ ستة أشهر تقريبا. 
مهمادو يروي مأساته التي لن تكون كما قال إلا مثالا بسيطا عما يعانيه المهاجرون الأفارقة الذين حلموا بعبور البحر نحو أوروبا مرورا من ليبيا.لكن قليل منهم من يتمكن حقا من الوصول إلى الضفة الأخرى للمتوسط فالأمواج العاتية واهتراء المراكب وعدم صلوحيتها وشحنها بالمهاجرين أكثر من طاقتها تنهي أحلامهم إما طعاما بخسا لحيتان البحر أو سلعة تباع وتشترى لمافيات تهريب البشر، أما من يحالفه الحظ، كما يقول يايي فقد يجد نفسه في تونس.
ربما فهم مهمادو يايي استغرابي من قوله إن "من يحالفه الحظ يجد نفسه في تونس ولم يقل أوروبا"، فأكّد لي دون أن أسأله أن ما يعانيه اللاجئ داخل الأراضي الليبية يجعله يتمنى لا الوصول إلى أوروبا وإنما الخروج من ليبيا حتى وإن كان العودة إلى بلده الأصلي، "أما تونس فهنا رغم الوضع المتدني للمركز الذي نقيم فيه إلا أنه أفضل مئات المرات مما عشناه في ليبيا".
وأوضح أن الفترة التي يقضيها الحالمون بالوصول إلى أوروبا في مراكز تجميع المهاجرين غير الشرعيين بليبيا، وما يتعرّضون له من فظائع تصل حدّ الاستعباد، والاتّجار بهم، قبل رحلة العبور الفاشلة نحو جزيرة "لامبيدوسا" الإيطالية، هي الأطول والأقسى على أي مهاجر مهما كانت جنسيته، "فهناك داخل مراكز التجميع لا فرق بين إفريقي جنوب الصحراء أو سوري أو إفريقي من شمال القارة، إلا بقدر ما يدفعه من أموال أو بقدر ما تستطيع عائلته دفعه من دولارات"، على حد تعبير يايي.

بيع وشراء
ويضيف الشاب الغيني أن ما يعيشه المهاجرون هناك داخل السجون الليبية أو مراكز الاعتقال، تدفعهم حد الجنون وحتى الانتحار، أما عن نفسه فيقول: "بعد أن دفعت مائة وخمسين دولارا لأحد الحراس الليبيين تمكنت من الهرب من سجن صبراتة حيث عانيت كل أنواع العذاب والفظاعة والقسوة، فركبت موج البحر بحثا عن النعيم الأوروبي، ولكني فشلت ولم أتمكن من بلوغه، وها أنا اليوم هنا في تونس، غير أن تونس أحب إلي من ليبيا"...
ويضيف: "في ليبيا وما أن نصل إلى مراكز إيواء المهاجرين من مختلف الجنسيات في مدن الغرب الليبي، يقوم منظّمو تلك العمليات بسلبهم كل ما يملكون من أموال وهواتف وحتى وثائق الهوية لتباع هي الأخرى، ثم يتم الزج بالمهاجرين في السجن لعدم امتلاكهم أوراقا تثبت هوياتهم وبالتالي تتم مقايضة أسرهم وإرغامهم على دفع فدية مقابل إطلاق سراح ذويهم".
وأكد أنه في حال لم تتمكن تلك الأسر من دفع الفدية فإنه يتم بيع اللاجئ كالعبيد لأشخاص ليبيين لهم نفوذهم في البلاد للعمل لديهم دون مقابل سوى وجبة الغذاء.مهمادو يايي، هذا الشاب الغني لم يكن بمعزل عما يعانيه الأفارقة هناك، فقد تم بيعه أكثر من مرة لأشخاص اشتركوا في القسوة وعدم الرحمة، على حد تعبيره، أما نصيبه من ثمن بيعه وكل مرة كان في حدود الأربعمائة دولار، فهو العمل والتعذيب والضرب وتركه دون أكل.
عندما نتخذ قرار مغادرة الأوطان، يؤكد يايي نكون قد قررنا خوض المغامرة وهي لعبة حظ، أو ربما الأصح هي لعبة "إما حياة وإما موت"، فالمهاجر واللاجئ عندما تدفعه الظروف إلى ترك وطنه عادة ما يكون مجبرا على ذلك، وهو قد اتخذ القرار الصحيح فإما أن ينجح في الهرب من ذلك الجحيم أو أن يخسر أمواله وحتى حياته دون الحديث عن كرامته كإنسان خاصة في دول كليبيا، ومن لم يحالفه الحظ في الوصول إلى أوروبا فقد يسعفه الموج ويلقي به على الشواطئ التونسية وهناك يسعى للحصول على بطاقة لاجئ.

لجوء في تونس
وحول عدد السوريين الذين وصلوا إلى تونس ويقيمون بصفة لاجئ، يقول رئيس جمعية الجالية السورية في تونس شوقي راجح في تصريح إعلامي إن العدد يعد بالمئات بين 500 و600 شخص.
ويضيف أن العدد الأكبر من السوريين دخل أثناء الثورة الليبية، مشيرا إلى غياب أرقام دقيقة للسوريين المقيمين بتونس غير أنه أكد أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسوريين في تونس لا تعتبر حرجة إلى حد ما نتيجة مساعدة السوريين المقيمين في تونس من قبل اللاجئين الجدد.
من جهته أكد ممثّل المفوّض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتونس مازن ابو شنب أن العدد الدقيق للاجئين في تونس هو 750 لاجئ معترف بهم وهو لا يلغي وجود آخرين، مشيرا إلى أن أغلب المسجلين لدى المفوضية هم سوريون بعدد 450 لاجئ، والبقية يتوزعون على نحو 20 جنسية من القارة الإفريقية.
وأضاف في تصريح للإعلام أن المفوضية تقدم مساعدات مجانية في الدراسة والصحة، موضحا بخصوص الخدمات الصحية أن معالجة اللاجئين تكون بالمستشفيات العمومية وهناك حالات خاصة يتم توجيهها إلى المصحات الخاصة، بالإضافة إلى وجود تدريب بتخصيص جزء من ميزانية المفوضية للمساعدة لاجئين على بعث مشروع صغير على غرار عائلات سورية قامت بإنشاء مطعم بكل من العوينة وسوسة أما عن لاجئي القرن الإفريقي فيتم تكوينهم في اختصاصات الكهرباء على سبيل المثال.
وكان رئيس مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في تونس، مازن أبو شنب، قد أكد خلال مؤتمر صحفي انعقد يوم 20 جوان بتونس العاصمة، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للاجئين، الموافق لـ20 جوان من كل عام، بعنوان "هل من ضرورة لقانون حول اللجوء بتونس؟"، استكمال تونس صياغة مشروع قانون وطني خاص باللجوء.
وقال أبو شنب، إنه "في حال اعتماد هذا القانون، فسيكون أوّل مشروع قانون وطني خاص باللجوء في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.. وسينظم ويوضح ويعطي الحقوق لصاحبها والواجبات لمالكها".
فضلوني عيش 
مشاركة
الرجوع